الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
300
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الفاء دليل الجواب لأنّه علّته ، والتقدير : فإن كذّبوك فلا عجب أو فلا تخزن لأنّ هذه سنّة قديمة في الأمم مع الرسل مثلك ، وليس ذلك لنقص فيما جئت به . والبيّنات : الدلائل على الصدق ، والزبر جمع زبور وهو فعول بمعنى مفعول مثل رسول ، أي مزبور بمعنى مخطوط . وقد قيل : إنه مأخوذ من زبر إذا زجر أو حبس لأنّ الكتاب يقصد للحكم . وأريد بالزبر كتب الأنبياء والرسل ، ممّا يتضمّن مواعظ وتذكيرا مثل كتاب داود والإنجيل . والمراد بالكتاب المنير : إن كان التعريف للجنس فهو كتب الشرائع مثل التوراة والإنجيل ، وإن كان للعهد فهو التوراة ، ووصفه بالمنير مجاز بمعنى المبيّن للحق كقوله : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [ المائدة : 44 ] والعطف منظور فيه إلى التوزيع ، فبعض الرسل جاء بالزّبر ، وبعضهم بالكتاب المنير ، وكلّهم جاء بالبيّنات . وقرأ الجمهور وَالزُّبُرِ بعطف الزبر بدون إعادة باء الجرّ . وقرأه ابن عامر : وبالزبر - بإعادة باء الجرّ بعد واو العطف - وكذلك هو مرسوم في المصحف الشامي . وقرأ الجمهور : والكتاب - بدون إعادة باء الجرّ - وقرأه هشام عن ابن عامر - وبالكتاب - بإعادة باء الجرّ - وهذا انفرد به هشام ، وقد قيل : إنّه كتب كذلك في بعض مصاحف الشام العتيقة ، وليست في المصحف الإمام . ويوشك أن تكون هذه الرواية لهشام عن ابن عامر شاذّة في هذه الآية ، وأنّ المصاحف التي كتبت بإثبات الباء في قوله : وَبِالْكِتابِ [ فاطر : 25 ] كانت مملاة من حفّاظ هذه الرواية الشاذّة . [ 185 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 185 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) هذه الآية مرتبطة بأصل الغرض المسوق له الكلام ، وهو تسلية المؤمنين على ما أصابهم يوم أحد ، وتفنيد المنافقين في مزاعمهم أنّ الناس لو استشاروهم في القتال لأشاروا بما فيه سلامتهم فلا يهلكوا ، فبعد أنّ بيّن لهم ما يدفع توهّمهم أنّ الانهزام كان خذلانا من اللّه وتعجّبهم منه كيف يلحق قوما خرجوا لنصر الدين وأن لا سبب للهزيمة بقوله : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ [ آل عمران : 155 ] ثم بيّن لهم أنّ في تلك الرّزية فوائد بقول اللّه تعالى : لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ [ آل عمران : 153 ] وقوله : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 166 ] ، ثم أمرهم بالتسليم للّه في كلّ حال فقال : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ